فصل: مسألة أبضع معه بضاعة في سلعة من السلع فابتاع غيرها ثم باعها فربح:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة كان له على رجل مائتا رطل صوف فحل الأجل:

وعن رجل كان له على رجل مائتا رطل صوف فحل الأجل فوجد الرجل عند غريمه أربعة عشر كبشا سبعة منها مجزوزة وسبعة مصوفة فأراد أن يأخذ منه تلك الأكباش كلها بثمانين رطلا من صوف مما عليه، قال: إن كان يعرف كم في تلك السبعة الأكبش من صوف حتى لا يشك فيه إلا يسيرا رطل أو نحوه فإنه قيل لي إنه يعرف، وما أيسر ما يقع عنهم من علمه يريدون تلك الجزز فلا أرى به بأسا، وإن كان لا يعرف ويقع في معرفته غبن كثير فلا خير فيه، قيل له: أرأيت لو كان لرجل على رجل مائتا رطل صوف فأحضر الجزز ليزنها، فأراد أن يأخذ منه جزرا بالمائتي رطل من غير وزن؟ قال: إن تحرى ذلك حتى يعرف فإن زاد زاد يسيرا وإن نقص عما تحرى نقص يسيرا فلا أرى به بأسا، وإن كان لا يعلم إلا بتغابن كثير فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: إجازة ابن القاسم في هذه المسألة أن يؤخذ الصوف بالتحري دون وزن من الوزن الذي له هو على قياس قوله في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال. قوله فيه: وكل صنف من الطعام أو غيره مما يجوز منه واحد باثنين من صنفه فلا بأس باقتسامه على التحري كان مما يكال أو يوزن أو مما لا يكال ولا يوزن، وعلى خلاف ما في آخر السلم الثالث من المدونة. قوله فيه: وكل شيء يجوز منه واحد باثنين من صنفه إذا كايله أو راطله أو عاده فلا يجوز الجزاف بينهما لا منهما ولا من أحدهما لأنه من المزابنة إلا أن يكون الذي يعطي أحدهما متفاوتا يعلم أنه أكثر من الذي أخذ من ذلك الصنف بشيء كثير، وهو إذا تقارب عند مالك ما بينهما كان من المزابنة وإن كان ترابا. وقد قال ابن دحون في مسألتي الصوف هاتين إنهما مخالفتان لأصل مالك وأصحابه في أن الصنف الواحد مما يجوز فيه التفاضل لا يجوز بعضه ببعض إلا إذا بان التفاضل وظهر، وأما إن لم يبن وتحرى أن يكون مثلا بمثل فهو من المزابنة، وإنما عول ابن دحون على ما وقع في المدونة، وهو أصل قد اختلف فيه، وقد مضى تحصيله في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال. وأما إجازة التحري فيما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز فيما يكال ويجوز فيما يوزن على تفصيل قد مضى القول فيه في رسم سلف من سماع عيسى وفي غيره.

.مسألة يأتي البزاز فيقول بكم هذا المتاع عليك فيقول بعشرة نقص:

وسئل عن رجل يأتي البزاز فيقول بكم هذا المتاع عليك؟ فيقول: بعشرة نقص، فيقول: ليست معي نقص ولكني أحسبها عليك بقائمة، وإني أربحك فيها نصفا، فيقول: هي تجيء تسعة قائمة، فيقول: قد أربحتك فيها نصفا، قال: لا بأس بهذا لأنه بيع حادث كأنه باعه مساومة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال في جوازها لأنه أربحه على تسعة قائمة بعد أن بين له أنه ابتاعها بعشرة نقص، فذلك جائز كما لو باعها مساومة بتسعة قائمة.

.مسألة بيع الرطب عددا:

وقال في التمر يباع عددا: وقال مالك في الرطب يباع عددا فكرهه وقال: هو عندي مثل التمر، قال ابن وهب: إذا أحاط بصره به صغيره وكبيره فلا أرى به بأسا، قال ابن القاسم: إذا كان شيئا يسيرا فلا بأس به قدر ما لا يكال مما لا يمكن فيه الكيل.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في الكثير من التمر أنه لا يجوز أن يباع عددا لأن الأصل فيه الكيل، فلا يجوز أن يباع وزنا ولا عددا لأن ذلك من الغرر، ولا اختلاف أيضا في اليسير الذي لا يكال ولا يتأتى فيه الكيل أنه يجوز أن يباع عددا كما قال ابن القاسم، وإنما الاختلاف في اليسير الذي يتأتى فيه الكيل ويعرف لقلته بعدده مقدار كيله، فكرهه مالك وأجازه ابن وهب إذا أحاط به بصره صغيره وكبيره يريد فعرف بذلك مقدار كيله، والله أعلم. واختلف في وجه كراهة مالك لذلك، فقيل: لما يقع في ذلك من الجهل وإن قل، إذ لا يعرف حقيقة ما فيه من الكيل بالعدد، وقيل: إنما كرهه لما في الكيل من البركة، روى الحارث عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول لصاحب السوق أنهيت الناس عن بيع الرطب عددا؟ قال: نعم، أردت ألا يباع إلا كيلا لما في الكيل من البركة، قال له مالك: إني أكره أن يباع الرطب عددا بالدراهم مثل بيع أهل المدينة.

.مسألة قدم بقمح من بلد فقال حين خرج إن أنا وجدت بيعا في الطريق بعته وإلا بلغته:

وقال في رجل قدم بقمح من الإسكندرية فقال حين خرج: إن أنا وجدت بيعا في الطريق بعته وإلا بلغته الفسطاط، قال: لا يبع في الطريق وليبلغ به الفسطاط إلا أن يكون نوى به إلى قرية فيها سوق فلا بأس أن يبيعه فيها، قيل له فأراد أن يختزنه في منية موسى ثم بدا له أن يبيعه ثم قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ «لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن تلقي السلع وعن بيعها حتى يهبط بها إلى الأسواق» فإذا لم يجد ثمنا خرج بطعامه إلى الفسطاط أن يبيعه بالطريق قبل أن يبلغ به الفسطاط لنهي رسول الله عن ذلك وجب ألا يجوز ذلك له وإن نواه، إذ لا تأثير للنية في جواز ذلك، بل ينبغي أن يكون الأمر أشد عليه إذا نواه، إذ لا يجوز لأحد أن ينوي فعل ما لا يجوز له فعله وذلك إذا باعه بالطريق ممن يريده للبيع. وأما إن مر بقرية على أميال من الحاضرة فجائز له أن يبيعهم ما يحتاجون إليه للأكل، فإن نوى قرية فيها سوق جاز أن يبيع طعامه فيه إذا كان جائزا له أن يبيعه فيه وإن لم ينو ذلك عند خروجه، إذ لا تأثير للنية فيما يجوز من ذلك مما لا يجوز منه. وأما إذا اختزنه في الطريق بموضع ليس فيه سوق فقال: إنه إن بدا له أن يبيعه فيه جاز ذلك ولم يكن به بأس، وفي هذا تفصيل، أما إذا باعه من أهل ذلك الموضع ليأكلوه أو ليبيعوه فلا بأس بذلك لأنه قد صار باختزانه في ذلك الموضع كأنه قد أصيب فيه، وأما إن باعه ممن خرج من أهل الحاضرة لشرائه فيجري ذلك محلى الاختلاف في أهل الحاضرة يخرجون إلى الحوائط يشترون من ثمارها أجاز ذلك ابن القاسم ورواه عن مالك، وهو قول أشهب خلاف روايته عن مالك في سماعه من كتاب السلطان أن ذلك لا يجوز، وقد مضى ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم.

.مسألة اشترى منه بعشرة دنانير قمحا فولاه رجلا فأراد أخذ العشرة فأعطاه تسعة:

وسئل عن رجل اشترى من رجل بعشرة دنانير قمحا فولاه رجلا، فلما أراد أخذ العشرة منه أخذ منه تسعة وقال له: قد تصدقت عليك بالدينار، قال: هذا مكروه، ولا خير فيه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إن ذلك لا خير فيه لما يخشى من أن يكون قد نوى ذلك عند التولية ولعل المولى قد رجا أن يضع عنه أو فهم ذلك من إرادته فيكون كأنه قد ولاه إياه بأقل مما اشتراه فيكون بيعا له قبل استيفائه، وأما لو وقعت التولية بالعشرة لا ينوي أن يعطه منها شيئا ولا يطمع بذلك المولى منه ثم بدا له فحط عنه لم يكن على واحد منهما في ذلك حرج والله أعلم.

.مسألة استعان رجلا يبتاع له سلعة:

وسئل ابن القاسم عن رجل استعان رجلا يبتاع له سلعة فلما ابتاعها واستوجبها قال للبائع: خذ ذهبك من هذا يا رب السلعة للذي استعان به وادفع إليه السلعة ففعل ذلك البائع فوجد بعد ذلك في الذهب نقصا وقد غاب رب السلعة أو فلس، قال: إن كان المستعان لم يعلمه ذلك كان عليه بد لها.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان المستعان لم يعلمه ذلك كان عليه بدلها معناه إن كان لم يعلمه عند الشراء أنه إنما يشتري منه لفلان المستعين له على الشراء وأنه إليه يدفع ومنه يقبض فعليه البدل، ولا ينتفع بقوله له بعد الشراء ادفع إلى فلان السلعة وخذ منه الثمن فإني اشتريتها له إلا أن يصدقه في ذلك. ولو قال له عند الشراء إني إنما اشتريتها لفلان ودفع هو إليه الثمن وقال: إنه مال فلان فوجد فيه نقصا وقد غاب فلان لوجب على المشتري البدل ما لم يصدقه البائع على ذلك ويبيعه عليه بتصريح على قياس ما مضى لأصبغ في نوازله قبل هذا خلاف قول ابن الماجشون.

.مسألة باع جارية وعليها حلي وثياب:

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون عن علي بن زياد عن مالك إنه قال في رجل باع جارية وعليها حلي وثياب، قال: إن كان يعرف أنها هيئت بذلك للبيع فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فإن اشترطه المبتاع جاز البيع.
قال محمد بن رشد: قد مضى في أول سماع ابن القاسم من رواية ابن القاسم عن مالك مثل رواية ابن زياد هذه عنه، ومضى القول على ذلك هنالك فلا وجه لإعادته.

.مسألة اشترى عرصة فلما أراد البنيان فيها وجد بئرا عادية لها بال:

وسئل عن رجل اشترى عرصة فلما أراد البنيان فيها وجد بئرا عادية لها بال، فقال البائع: بعتك شيئا لم أعرفه، وأنا أفسخ البيع، قال سحنون: أراها للمشتري وكذلك المواريث إذا اقتسمها الورثة فوجد في سهمه مثل ذلك أن ذلك له دون ورثته.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو وجد المشتري في العرصة التي اشترى صخرا أو عمدا أو رخاما أو وجد ذلك أحد الورثة في حظه لكان ذلك له على قول سحنون هذا، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وابن دينار في المدنية نصا وعلى قياس أحد قولي ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الأقضية في الذي يجد في أرضه جبا وباب الجب في أرض غيره إن له أن يأخذ ما كان منه في أرضه وينتفع به ويسده فيما بينه وبين صاحبه، ولا يستحقه صاحبه بالباب. ويأتي على قياس قول ابن القاسم في الرسم المذكور أن الجب لصاحب الباب ولا حق فيه للذي وجده في أرضه أنه إن وجد المشتري في العرصة التي اشترى بئرا أو جبا أو بيتا لم يعلم بها البائع أن للبائع أن ينقض البيع، وكذلك إذا وجد ذلك أحد الورثة في حظه كان للآخرين نقض القسمة، وأنه إذا وجد فيما اشترى صخرا أو عمدا أو رخاما مغيبا تحت الأرض فهو للبائع، فإن وجد ذلك أحد الورثة في حظه فهو بينهم، وكذلك قال ابن القاسم في أول رسم من سماع عيسى من كتاب اللقطة أنه لا حق في ذلك للمبتاع.
قال محمد بن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو في المجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد مغيبا في الأرض أنه من متاع البائع أو من متاع من ورثه عنه فلا اختلاف في أنه له، وكذلك إن علم أن ما وجده أحد الورثة في حظه من ذلك أنه لموروثهم فهو بينهم بلا خلاف، وكذلك إن ثبت أن البئر أو الجب أو البيت الموجود تحت الأرض من عمل البائع كان نسيه أو من عمل من ورثه عنه فلا اختلاف في أن للبائع أن ينقض البيع وأن لمن يجد ذلك في حظه من الورثة أن ينقض القسمة. وجه القول الأول في المجهول أنه لمن وجد ذلك في أرضه هو أن البائع لم يثبت له عليه ملك، وقد باع الأرض ولا يعلم ما في داخلها فوجب ألا يكون للبائع حجة على المبتاع فيما وجده المبتاع فيها مما ينتفع به، كما لا يكون للمبتاع حجة على البائع فيما وجده فيها من جبل يمنعه من أن يحدث فيها ما يحتاج إليه من جب أو بئر أو غراس؟ ووجه القول الثاني أن ما وجد في الأرض مما يعلم أنه محدث فيها من جب أو بئر أو موضوع فيها من صخر أو عمد أو رخام فإنه محمول على أنه للبائع، إذ لعله قد انتقل إليه بميراث لم يعلم به وما أشبه ذلك، فوجب ألا يسقط حقه فيه جهله به، وإن علم أنه ليس له فحكمه حكم اللقطة، وهذا القول أظهر، والله أعلم، وبه التوفيق.

.كتاب البضائع والوكالات الأول:

.أسلف رجلا دينارا فجاءه به فرده لشيء كرهه:

من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال: من أسلف رجلا دينارا فجاءه به فرده لشيء كرهه، فقال له: ادفعه إلى فلان، فقال: إن كان قبضه ورآه وعرفه ثم رده إليه فلا ضمان عليه إن تلف، وإن كان لم يره صاحبه فهو من المسلف حتى يرده.
قال محمد بن رشد: قوله: ادفعه إلى فلان يريد ادفعه إليه يبدله لك، ولم ير أن ينتقل الدينار من ذمة المستسلف له إلى أمانته بقول الذي أسلفه إياه ادفعه إلى فلان حتى يقبضه منه ثم يرده إليه ليحمله إلى فلان، ومثله في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الكفالة والحوالة، وفي السلم الأول من المدونة في الذي يسلم الثوب في طعام فيحرقه رجل في يده قبل أن يقبضه المسلم إليه لأنه قال فيه: إن قال إنما تركه وديعة في يده بعدما دفعه إليه فأرى قيمته له على من أحرقه والسلم على حاله، وعلى هذا يأتي قوله في كتاب القراض من المدونة في مال القراض يضيع منه بعضه فيخبر بذلك رب المال فيقول له: اعمل بما بقي في يدك قراضا إنه على القراض الأول وإن أحضر المال وحاسبه ما لم يدفعه إليه ثم يرده إليه قراضا مستأنفا خلاف ما حكى ابن حبيب عن مالك في الواضحة وربيعة والليث ومطرف وابن الماجشون وجماعة أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه كان يشدد فيه ويقول: إنه على القراض الأول حتى يدفعه إليه ثم يرده عليه، فيأتي على قوله في مسألتنا أن الدينار ينتقل من ذمة المستسلف إذا أحضره بقول المسلف له ادفعه إلى فلان يبدله لك، ولو كان المسلف للدينار قبض ديناره من المستسلف له ثم أتاه به فقال: وجدته معيبا وإنما أسلفتك سالما، فقال له: إنما أخذته من فلان فاذهب به إليه يبدله لك لوجب على هذه الرواية أن يكون ضمانه إن تلف في الذهاب به من صاحبه القابض له الذاهب به وألا ينتقل عن ذمته إلى أمانته لقول الدافع له: اذهب به إلى فلان يبدله لك، ولوجب أيضا على ما حكى ابن حبيب في الواضحة عمن ذكرناه أن ينتقل بقوله: اذهب به إلى فلان يبدله لك من ذمته إلى أمانته فيصدق في دعواه تلفه، ويتخرج في هذا الوجه قول ثالث في المسألة وهو أن يكون في يده كالرهن لا يصدق في دعواه تلفه إلا أن تقوم على ذلك بينة حسبما ذكرناه وبينا وجهه في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الكفالة والحوالة.

.مسألة أرسل رسولا يبيع له غلاما ولم يوقت له شيئا فاختلفا:

وقال مالك في رجل أرسل رسولا يبيع له غلاما ولم يوقت له شيئا، فاختلفا، فقال المشتري: ابتعته بأربعين دينارا وقال الرسول وهو البائع: لا بل بخمسين دينارا أرى الأيمان بينهما، فإن أبى الرسول أن يحلف لم يفسخ البيع بينهما ولم يقل لصاحب الغلام احلف؛ لأنه لا علم له، ولكن يحلف المشتري ويكون القول قوله مع يمينه.
قال محمد بن رشد: قوله: ولم يؤقت له شيئا معناه: وقد فوض إليه أن يبيع بما يراه لأنه لو لم يؤقت له ثمنا ولا فوض إليه أن يبيع بما يراه لكان الأمر موقوفا على رضاه ولوجب إذا قال الرسول: بعت بخمسين، وقال المشتري: اشتريت بأربعين إن قال رب العبد: لا أرضى أن أبيع عبدي بالخمسين التي قال إنه باع العبد بها أن يأخذ عبده، وإن قال: لا أرضى أن أبيع عبدي بدون الخمسين التي باعه بها أن يقال للمشتري: إن أردت أن تأخذ العبد بخمسين فخذه وإلا فلا شيء لك، ولا أيمان بينهما في شيء من ذلك كله. وأما إن قال رب العبد: لو باعه بأربعين لرضيت بذلك، ولكنه قد قال: إنه باعه بخمسين فأنا أطلبها لكانت الأيمان بينهما في ذلك على ما ذكره إذا لم يوقت له ثمنا وفوض إليه البيع باجتهاده، يريد أن الأيمان تكون بينهما على ما تكون بين المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أو فائتة. وقوله: فإن أبى الرسول أن يحلف لم يفسخ البيع بينهما صحيح؛ لأن البيع إنما لم يفسخ إذا حلفا جميعا أو نكلا جميعا على ما سنذكره في ذلك من الاختلاف. وقوله: ولم يقل لصاحب الغلام احلف معناه أنه لا يجب عليه أن يحلف إذ لم يل البيع فقد لا يعرف الثمن، وإنما يجب اليمين على الوكيل الذي ولي البيع، وأما هو فمن حقه إن ادعى معرفة الثمن أن يحلف إن شاء في موضع الرسول فيفسخ البيع إذا حلف المشتري ولا يجب له على الرسول بنكوله شيء؛ لأنه لما حلف فقد اختار فسخ البيع على إمضائه بيمين المشتري ويضمن العشرة للرسول، وكذلك إذا حلف الوكيل والمشتري وانفسخ البيع لم يجب على الوكيل شيء لأن الإشهاد لا يتعين عليه إلا عند دفع السلعة. ألا ترى أنه لو قال:
بعت العبد بخمسين فأنكر المشتري الشراء جملة وحلف لم يلزم الرسول شيء، ولو كان قد دفع إليه العبد فجحد الثمن وأنكر أن يكون قبض العبد فحلف لضمن الرسول الخمسين لا قيمة العبد، كذلك قال في المدونة إنه يضمن الثمن. والوجه في ذلك أن الإشهاد بالثمن إنما يتعين عليه عند دفع العبد، وإن لم يحلف واحد منهما حلف المشتري وكان القول قوله على ما قال في الرواية، ورجع رب العبد على الرسول بالعشرة التي أتلفها عليه بنكوله عن اليمين، قاله مالك في كتاب ابن المواز. ولو دفع الرسول العبد إلى المشتري ففات عنده ووجب أن يكون القول قوله لحلف وغرم الرسول العشرة التي أتلف على رب العبد بتركه الإشهاد على المشتري بالثمن، إذ دفع إليه العبد، قاله مالك في كتاب ابن المواز أيضا، ولم يتكلم في هذه الرواية إن نكل المشتري بعد نكول الرسول، وحكاها ابن حبيب وزاد فيها فإن نكل المشتري عن اليمين أيضا لزمه البيع، يريد بما ادعى الرسول البائع، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن فقال: إنهما إن نكلا كان القول قول البائع. وقد قال أبو بكر بن محمد في هذه المسألة: فإن أبى المشتري أن يحلف بعد نكول الرسول غرم ما قال الرسول، وهو خلاف المتبايعين، وقوله: وهو خلاف المتبايعين لا يصح بوجه لأنهما متبايعان فلا فرق في حلفهما أو في حلف أحدهما ونكول الآخر، أو في نكولهما جميعا بين أن يكون البائع منهما هو رب السلعة أو وكيله على البيع، ففي نكولهما جميعا قولان: أحدهما أن القول قول الوكيل على البيع أو قول رب السلعة إن كان هو الذي ولي البيع، وهو نص قول مالك في هذه المسألة ومذهب ابن حبيب، والثاني أن نكولهما جميعا بمنزلة حلفهما جميعا ينفسخ البيع فيما بينهما، وهو مذهب ابن القاسم على قول شريح في كتاب بيع الخيار من المدونة إن حلفا ترادا وإن نكلا ترادا، وقيل: إنما يكون القول قول الرسول أو قول رب السلعة إذا نكلا عن اليمين جميعا مع يمينه لقد باع العبد منه بخمسين لأنه في هذا على المشتري مدع صدقا، فإذا نكل المشتري المدعى عليه عن اليمين على ذلك رجعت اليمين على المدعي وهو البائع فحلف واستحق ما حلف عليه. ويبعد قول من قال: إن البائع لما كان هو المبدأ باليمين فنكل عنها ثم نكل المشتري بعده عن اليمين كان القول قول البائع بلا يمين، بمنزلة من ادعى على رجل حقا له فيه شاهد واحد فأبى أن يحلف مع شاهده ورد اليمين على المدعى عليه فنكل عن اليمين أن المدعي يكون له ما ادعى دون يمين لنكول صاحبه بعد نكوله هو؛ لأن يمين البائع لقد باع العبد منه بخمسين لم تجب له ولا مكن منها فلم ينكل عنها؛ لأن صفة أيمانها أن يحلف البائع ما باع العبد منه بأربعين، ويحلف المشتري ما اشتراه بخمسين؛ لأن البائع مدعى عليه أنه باع بأربعين، وهو منكر لذلك، فوجب أن يحلف عليه؛ والمشتري مدعى عليه أنه اشتراه بخمسين وهو منكر لذلك، فوجب أن يحلف عليه، وليس على البائع أن يزيد في يمينه: ولقد باعه منه بخمسين لأنه باع في ذلك على المشتري، فقد كذبه بيمينه، إلا أن يشاء أن يزيد ذلك في يمينه أو يجمع المعنيين في لفظ واحد فيحلف أنه ما باعه منه إلا خمسين رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين فلا يحتاج إلى يمين أخرى ويكتفي باليمين الأول، فلم ينكل عن اليمين على هذه الزيادة إذ لم تكن واجبة عليه، ولا كان من حقه أن يحلف عليها ويستحق الخمسين، فوجب إذا نقل المشتري عن اليمين أنه ما اشتراها منه بخمسين ألا يستحق هو الخمسين إلا بعد يمينه: لقد باعه منه بخمسين، فإذا حمل قول ابن حبيب على هذا لصحة ما ذكرناه من معناه وجب أن يصرف قول ابن القاسم بالتأويل إليه فيقال: معنى قوله وإن نكلا ترادا أي إن أبى البائع أن يحلف على كل حال أولا وآخرا فتستقيم المسألة ويصحح معناها ولا يكون بين ابن القاسم وبين ابن حبيب اختلاف فيها، ومن تأول على ابن حبيب في قوله إذا نكل عن اليمين كان القول قول البائع أنه يكون القول قوله دون يمين فعد قوله مثل أقوال أهل العراق في القضاء بالنكول دون اليمين على المدعى، وذلك خلاف مذهب مالك وجميع أصحابه، وسيأتي في رسم نقدها نقدها من سماع عيسى الحكم إذا باع الرسول العبد فوجد المشتري به عيبا فهو من معنى هذه المسألة.

.مسألة بعث معه بضاعة فيريد أن يحسب نفقتها كما يحسب على القراض:

قال ابن القاسم عن مالك في رجل تبعث معه بضاعة فيريد أن يحسب على صاحبها من النفقة كما يحسب على القراض، قال: إن كان شيئا كثيرا فذلك له، وإن كان شيئا تافها فلا، قال ابن القاسم وذلك رأيي إذا كان الذي حمل من ذلك شيئا له بال، فأما إذا كان الشيء اليسير فلا أرى ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: وافق ابن القاسم مالكا فيما رواه عنه من أن البضاعة إذا كانت كثيرة لها بال، قال محمد مثل الخمسين والأربعين كان للمبضع معه أن يقبض نفقته على البضاعة وعلى ماله الذي خرج به قياسا على من أخذ مالا قراضا فخرج به وبمال له أن نفقته تكون مفضوضة على المالين، وفي رسم الأقضية من سماع أشهب خلاف هذا أنه لا يحسب على البضاعة من النفقة شيء، وهو الأظهر لبعد قياس البضاعة في هذا على القراض؛ لأن الحكم في القراض أن تكون نفقة المقارض في سفره من مال القراض، فقد دخل معه رب المال على ذلك إذ لم يتطوع له بشيء، والمبضع معه قد تطوع لرب البضاعة بحملها ولم يعلمه أنه يحسب شيئا من نفقته عليه، ولعله لو علم بذلك لم يرض به ولم يسلم بضاعته إليه، فكان الأظهر ألا يكون له أن يحسب من نفقته شيئا عليها إلا بشرط أو عرف. وفي قوله في آخر رواية أشهب وإن أشياء لتكون يوما لا تجمل ولا تحسن ما يدل على أنه يكره له أن يفعل ذلك. وليس بمحظور عليه فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع والكراهة، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة أبضع معه بضاعة في سلعة من السلع فابتاع غيرها ثم باعها فربح:

وقال مالك فيمن أبضع معه بضاعة في سلعة من السلع فابتاع غيرها ثم باعها فربح فيها ثم ابتاع أخرى فوضع، وذلك كله بغير إذن صاحب البضاعة قال: الربح لصاحبها والضمان على من افتات عليه بما افتات.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة إذا لم يفرق فيها بين أن تكون السلعة التي أمره بشرائها موجودة في ذلك البلد أو غير موجودة فيه أنه ابتاع غير السلعة التي أبضع معه فيها لرب البضاعة، ولذلك قال: إنه يكون الربح الذي ربح في الأولى لصاحبها الذي ابتاعها له والوضيعة التي وضع في الثانية على المبضع معه المفتات عليه في شراء ما لم يأمره به، ولو قدم بها لكان مخيرا بين أن يأخذها لأنه ابتاعها له بماله وبين أن يتركها ويضمنه ماله. وهذه المسألة تتشعب إلى وجوه كثيرة: منها أن يشتري المبضع معه في ذلك البلد ببضاعة الرجل السلعة التي أمره بشرائها له أو لنفسه، ومنها أن يشتري في ذلك البلد أو غير ذلك البلد ببضاعته غير السلعة التي أمره بشرائها له أو لنفسه أيضا فيبيعها بربح أو بخسارة أو يقدم بها والسلعة التي أمره بشرائها موجودة في ذلك البلد أو غير موجودة فيه، ومنها أن يشتري في غير ذلك البلد السلعة التي أمره بشرائها إذا لم يجدها في ذلك البلد أو قبل أن يبلغه، فأما إن اشترى في ذلك البلد ببضاعته السلعة التي أمره بشرائها فهي له لازمة، واختلف أنه إن زعم أنه اشتراها لنفسه فروى محمد بن يحيى السبائي عن مالك أنه يحلف على ذلك وتكون له ويرد إليه ماله، وقيل: إنه لا يصدق في ذلك إلا أن يكون أشهد قبل الشراء أنه إنما يشتريها بالبضاعة لنفسه لا له، فتكون له ويرد إلى الرجل بضاعته، وقع هذا القول في الثمانية لأبي زيد، وقيل: إنه لا يصدق في ذلك وإن أشهد وتكون السلعة لرب البضاعة إلا أن يعلمه قبل الشراء أنه إنما يشتريها لنفسه لا له، وهو قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم في الثمانية. وهذه الثلاثة الأقوال في السلعة المعينة ولا فرق، وأما إذا اشترى في ذلك البلد أو في غير ذلك البلد غير السلعة التي أمره بشرائها لصاحب البضاعة فسواء كانت السلعة التي أمره بشرائها موجودة في ذلك البلد أو غير موجودة فيه يكون الربح لصاحب البضاعة إن باعها بربح لأنه اشتراها له، والنقصان إن باعها بوضيعة على المشتري المفتات، وإن قدم بها كان صاحب البضاعة مخيرا بيمين أن يأخذها لأنه اشتراها له بماله، وبين أن يتركها ويضمنه ماله حسبما وصفناه في أول المسألة. وأما إن اشترى في ذلك البلد أو في غير ذلك البلد غير السلعة التي أمره بشرائها لنفسه فباعها بربح أو وضيعة أو قدم بها، فإن كانت السلعة التي أمره بشرائها موجودة في ذلك البلد فالربح لصاحب البضاعة والوضيعة على المبضع معه، وإن قدم بالسلعة كان رب المال بالخيار بين أن يأخذها أو يضمنه ماله، وقال مطرف: الربح والوضيعة للمبضع سعه. وأما إن كانت السلعة غير موجودة في ذلك البلد فالربح له والوضيعة عليه لأنه اشتراها لنفسه، واختلف إن قدم بالسلعة فظاهر قول ابن القاسم في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ أن لرب المال أن يأخذها إن شاء، وعاب ذلك أصبغ وخطأه وقال: لا سبيل لرب المال إلى أخذها إلا إن كان اشتراها والسلعة التي أمره بشرائها موجودة في ذلك البلد، ومثل قول أصبغ هذا لابن القاسم في سماع سحنون، فيحتمل أن يتأول قول ابن القاسم في سماع أصبغ على هذا فلا يلزمه اعتراض أصبغ وتخطئته لقوله. واختلف أيضا إن اشترى له ما أمره به بعد أن باع السلعة التي كان اشتراها لنفسه فقال مطرف: هو بالخيار في أخذها، وقال ابن الماجشون: يلزمه أخذها إذا كانت على الصفة، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وأما إن اشترى في غير ذلك البلد السلعة التي أمره بشرائها بعد أن لم يجد مما في البلد وقبل أن يبلغه فقال ابن القاسم في آخر رسم أوصى من سماع عيسى: إن صاحب المال بالخيار إن شاء أخذها وإن شاء تركها، وقال عيسى بن دينار من رأيه: يلزمه أخذها إذا كانت على الصفة أو اشتراها بمثل الثمن، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة أبضع معه في ثوب فاشتراه ثم قال للذي باعه اذهب به فسرق منه:

وقال مالك فيمن أبضع معه في ثوب فاشتراه ثم قال للذي باعه: اذهب به فأره صاحبي، قال: نعم، فسقط منه أو سرق، قال: فإن ثمنه ضامن على الذي أرسله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه اشترى الثوب بالخيار على أن يريه صاحبه، وكذلك ذكر في كتاب ابن المواز أنه كان اشتراه له بالخيار إذ لا معنى لاستئذانه البائع بعد ثبات البيع في أن يريه صاحبه. وقوله إذا كان اشتراه على الخيار فإن ثمنه ضامن على الذي أرسله صحيح لأن ضمانه منه إذا لم يعرف هلاكه إلا بقوله على حكم ما اشترى بالخيار، ولا حجة له على المبضع معه بأن يقول له: قد تعديت علي إذ اشتريت بالخيار دون أن آمرك بذلك، إذ لا ضرر عليه في الخيار بل له فيه منفعة على كل حال، إلا أن يكون زاد في الثمن بسبب الخيار فيكون من حقه أن يرجع عليه بالزيادة إن تلفت السلعة قبل أن يختار، ويحتمل أن يكون معنى المسألة أنه اشترى له السلعة شراء باتا ثم سأل البائع بعد تمام البيع أن يجعل له الخيار فيها حتى يريها صاحبه، فتستقيم المسألة أيضا على هذا التأويل، ويصح فيها الجواب، ولا يكون لصاحبها في ذلك حجة ولا كلام.